الآلوسي
169
تفسير الآلوسي
يتحاكم الناس إليه بعد موسى عليه السلام إذ اختلفوا فيحكم بينهم ويتكلم معهم إلى أن فسدوا فأخذه العمالقة ، ولم أر حديثاً صحيحاً مرفوعاً يعول عليه بفتح قفل هذا الصندوق ولا فكراً كذلك . * ( فيه سَكينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) * أي في إتيانه سكون لكم وطمأنينة ، فالسكينة مصدر حينئذ أو فيه نفسه ما تسكنون إليه وهو التوراة ، وقيل : وليس بالصحيح - كما قاله الراغب - صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها وجناحان فتئن فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر ، والجملة في موضع الحال . و ( من ) لابتداء الغاية أو للتبعيض أي من سكينات ربكم . * ( وَبَقيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَارُونَ ) * هي رضاض الألواح وثياب موسى وعمامة هارون وطست من ذهب كانت تغسل به قلوب الأنبياء . وكلمة الفرج لا إله إلا الله الحليم الكريم وسبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ، والحمد لله رب العالمين ، وآلهما أتباعهما أو أنفسهما ، أو أنبياء بني إسرائيل ، لأنهم أبناء عمهما * ( تَحْملُهُ الْمَلَائكَةُ ) * حال من التابوت ، والحمل إما حقيقة أو مجاز على حد . حمل زيد متاعي إلى مكة . * ( إنَّ في ذالكَ ) * إشارة إلى ما ذكر من إتيان التابوت فهو من كلام النبي لقومه أو إلى نقل القصة وحكايتها فهو ابتداء خطاب منه تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين وجئ به قبل تمام القصة إظهاراً لكمال العناية ، وإفراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين على التقديرين بتأويل الفريق ونحوه * ( لأَيَةً ) * عظيمة كائنة * ( لَّكُمْ ) * دالة على جعل طالوت ملكاً عليكم أو على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بما أخبر من غير سماع من البشر ولا أخذ من كتاب * ( إن كُنْتُمْ مُّؤْمنينَ ) * أي مصدقين بتمليكه عليكم أو بشيء من الآيات ، و * ( إن ) * شرطية والجواب محذوف اعتماداً على ما قبله وليس المقصود حقيقة الشرطية إذا كان المخاطب من تحقق إيمانه ، وقيل : هي بمعنى إذ . * ( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىإِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) * * ( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالْجُنُود ) * أي انفصل عن بيت المقدس مصاحباً لهم لقتال العمالقة ، وأصله فصل نفسه عنه ، ولما اتحد فاعله ومفعوله شاع استعماله محذوف المفعول حتى نزل منزلة القاصر - كانفصل - وقيل : فصل فصلاً وجوز كونه أصلاً برأسه ممتازاً من التعدي بمصدره كوقف وقوفاً ووقفه وقفاً وصد عنه صدوداً وصده صداً وهو باب مشهور ، والجنود الأعوان والأنصار جمع جند ، وفيه معنى الجمع ، وروى أنه قال لقومه : لا يخرج معي رجل بنى بناءاً لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة ، ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا ابتغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً ، وقيل : سبعون ألفاً ، وكان الوقت قيظاً فسلكوا مفازة فسالوا نهراً * ( قَالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَليكُم ) * أي معاملكم معاملة من يريد أن يختبركم ليظهر للعيان الصادق منكم والكاذب * ( بنَهَر ) * بفتح الهاء ، وقرئ بسكونها وهي لغة فيه وكان ذلك نهر فلسطين كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعن قتادة والربيع أنه نهر بين فلسطين والأردن * ( فَمَنْ شَربَ منْهُ ) * أي ابتدأ شربه لمزيد عطشه من نفس النهر بأن كرع لأنه الشرب منه حقيقة ، وهذا كثيراً ما يفعله العطشان المشرف على الهلاك ، وقيل : الكلام على حذف مضاف أي : فمن شرب من مائه مطلقاً * ( فَلَيْسَ منِّي ) * أي من أشياعي ، أوليس بمتصل بي ومتحد معي * ( فمن ) * اتصالية وهي غير التبعيضية عند بعض وكأنها بيانية عنده وعينها عند آخرين .